الشؤون السياسية الدوليةبقلم حسن النجار

بقلم حسن النجار : ماكرون يبحث عن نفوذ اقتصادي ناعم في أفريقيا

الكاتب الصحفي والمفكر السياسي حسن النجار المختص في الشؤون الدولية ورئيس تحرير الوطن اليوم

الوطن اليوم الاخبارية – الشؤون السياسية الدولية – 15 مايو 2026 

بقلم | حسن النجار 

يبدو أن الكيمياء السياسية بين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والقارة الأفريقية دخلت مرحلة جديدة، تجمع بين الجاذبية الشعبية والحسابات الاستراتيجية الباردة. خلال زيارته الأخيرة لمصر، تجول ماكرون في القاهرة التاريخية وجلس في مقاهي خان الخليلي،

ثم توجه إلى الإسكندرية حيث تذوق الكبدة الإسكندرية والجيلاتي على الكورنيش، ومارس الركض مستنشقاً هواء المدينة الساحلية. هذه المشاهد لم تكن مجرد سياحة، بل تمهيداً لخطاب استراتيجي ألقاه في قمة أفريقيا-فرنسا بنيروبي.

في نيروبي، قدم ماكرون خطاباً يُعد تحولاً واضحاً في الخطاب الفرنسي الرسمي. اعترف بالإرث الاستعماري، لكنه رفض اختزال أزمات أفريقيا فيه فقط. أشار بوضوح إلى أن العقود السبعة التي تلت الاستقلال تتحمل الأنظمة السياسية والاقتصادية الأفريقية جزءاً كبيراً من المسؤولية عن التعثر التنموي.

دافع عن الدور الأوروبي كشريك يقوم على التعددية وسيادة القانون والتجارة الحرة، ووجه انتقادات حادة للنموذج الصيني الذي وصفه بالاستغلالي في التعامل مع الموارد الأفريقية.

هذا الخطاب يعكس واقعاً جيوسياسياً متغيراً. تواجه فرنسا تراجعاً في نفوذها العسكري التقليدي بعد أن أنهت عدة دول أفريقية التعاون العسكري مع باريس وطلبت خروج القوات الفرنسية. رد ماكرون كان هادئاً ولطيفاً: «عندما لم يعد وجودنا مرغوباً به، غادرنا»،

مؤكداً أن التواجد العسكري كان يستجيب لطلبات حكومات محلية لمواجهة التنظيمات المسلحة. هذه اللغة ليست اعتذاراً تاريخياً، ولا محاولة لفرض النفوذ بالقوة، بل هي محاولة ذكية لإعادة صياغة قواعد اللعبة.

هل يسعى ماكرون إلى استعمار اقتصادي جديد؟

يبدو أن الاستراتيجية الفرنسية الجديدة تنتقل من النفوذ العسكري والسياسي المباشر إلى النفوذ المالي والاقتصادي الناعم. فرنسا، مثل غيرها من الدول الغربية، لها تاريخ طويل في استغلال الموارد الأفريقية (المعادن الاستراتيجية والمواد الخام)، تماماً كما تفعل الصين اليوم.

الفرق الوحيد يكمن في الخطاب: الغرب يروج لـ«شراكة» و«تنمية مستدامة» و«استثمار يعود بالنفع على الشعوب»، بينما يُتهم النموذج الصيني بالتبعية الاقتصادية الطويلة الأمد.

بقلم حسن النجار ماكرون يبحث عن نفوذ اقتصادي ناعم في أفريقيا
بقلم حسن النجار ماكرون يبحث عن نفوذ اقتصادي ناعم في أفريقيا

ماكرون يدرك جيداً تصاعد المنافسة الجيوسياسية في أفريقيا، حيث أصبحت القارة ساحة مفتوحة بين النماذج الغربية والصينية والروسية والتركية. لذا يحاول ملمة الوجود الفرنسي من خلال بوابة اقتصادية جديدة: استثمارات في البنية التحتية، شراكات تجارية،

ودعم للقطاع الخاص، مع التأكيد على أن ثروات أفريقيا يجب أن تخدم شعوبها أولاً. هذا «استعمار حنين ولذيذ» على طريقة نابليون، كما وصفته بعض الأقلام، يجمع بين الجاذبية الثقافية والمصالح الاقتصادية الصلبة.

بقلم حسن النجار ماكرون يبحث عن نفوذ اقتصادي ناعم في أفريقيا
بقلم حسن النجار ماكرون يبحث عن نفوذ اقتصادي ناعم في أفريقيا

في النهاية، لا يمكن فصل الزيارة المصرية الدافئة عن الخطاب النيروبي الاستراتيجي. ماكرون لا يأتي سائحاً ولا محتلاً تقليدياً، بل يأتي كلاعب يعيد ترتيب أوراقه في قارة تشهد تحولات كبرى. النجاح أو الفشل يعتمد على قدرة أفريقيا نفسها على استغلال هذه المنافسة الدولية لصالح تنميتها الحقيقية، بدلاً من التبعية لأي طرف خارجي.

حفظ الله مصر – حفظ الله الوطن – حفظ الله الجيش المصري – وحم الله شهدائنا الابرار ؟

حسن النجار

حسن النجار هو رئيس تحرير جريدة «الوطن اليوم» الإخبارية، وكاتب صحفي ومفكر سياسي متخصص في الاقتصاد والعلوم السياسية. يشغل منصب باحث مشارك بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية، وعضو المكتب الفني للشؤون السياسية، وعضو لجنة تقصي الحقائق بالتحالف المدني لحقوق الإنسان لدى جامعة الدول العربية. كما يتولى منصب النائب الأول لرئيس لجنة الإعلام بالمجلس الأعلى لحقوق الإنسان الدولية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى